ابن أبي أصيبعة

231

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

قال للفرات ما تقول في هذا اللواء قال له المتطبب أقول إنه لواء الشحناء بينك وبين أهلك إلى يوم القيامة إلا أني أرى لك نقل أهلك من الكوفة إلى أي البلدان أحببت فإن الكوفة بلد شيعة من تحارب فإن فللت لم تكن لمن تخلف بها من أهلك بقيا وإن فللت وأصبت من تتوجه إليه زاد ذلك في أضغانهم عليك فإن سلمت منهم حياتك لم يسلم منهم عقبك بعد وفاتك فقال له عيسى ويحك إن أمير المؤمنين غير مفارق للكوفة فلم أنقل أهلي عنها وهم معه في دار فقال له أن الفيصل في مخرجك فإن كانت الحرب لك فالخليفة مقيم بالكوفة وإن كانت الحرب عليك لم تكن الكوفة له بدار وسيهرب عنها ويخلف حرمه فضلا عن حرمك قال موسى فحاول عيسى نقل عياله من الكوفة فلم يسوغه ذلك المنصور قال ولما فتح الله على عيسى ورجع إلى الكوفة وقتل إبراهيم بن عبيد الله انتقل المنصور إلى مدينة السلام فقال له متطببه بادره بالانتقال معه إلى مدينته التي قد أحدثها واستأذن المنصور في ذلك فأعلمه أنه لا سبيل إليه وأنه قد دبر استخلافه على الكوفة فأخبر بذلك عيسى متطببه فقال له المتطبب استخلافه إياك على الكوفة قد حل لعقدك عن العهد لأنه لو دبر تمام الأمر لك لولاك خراسان بلد شيعتك فأما أن يجعلك بالكوفة مع أعدائه وأعدائك وقد قتلت محمد بن عبد الله فوالله ما دبر فيك إلا قتلك وقتل عقبك ومن المحال أن يوليك خراسان بعد الظاهر منه فيك فسله توليتك الجزيرتين أو الشام فأخرج إلي أي الولايتين ولاك فأوطنها فقال له تكره لي ولاية الكوفة وأهلها من شيعة بني هاشم وترغب لي في ولاية الشام أو الجزيرتين وأهلها من شيعة بني أمية فقال له المتطبب أهل الكوفة وأن وسموا أنفسهم بالتشيع لبني هاشم فلست وأهلك من بني هاشم الذي يتشيعون لهم وإنما تشيعهم لبني أبي طالب وقد أصبت من دمائهم ما قد أكسب أهل الكوفة بغضتك وأحل لهم عند أنفسهم الاقتياد منك وتشيع أهل الجزيرتين والشام ليس على طريق الديانة وإنما ذلك على طريق إحسان بني أمية إليهم وإن أنت أظهرت لهم مودة متى وليتهم فأحسنت إليه كانوا لك شيعة ويدلك على ذلك محاربتهم مع عبد الله بن علي على ما قد نال من دمائهم لما تألفهم وتضمن لهم الإحسان إليهم فهم إليك لسلامتك من دمائهم أميل واستعفى عيسى من ولاية الكوفة وسأل تعويضه عنها فأعلمه المنصور أن الكوفة دار الخلافة وإنه لا يمكن أن تخلو من خليفة أو ولي عهد ووعد عيسى أن يقيم بمدينة السلام سنة وبالكوفة سنة وأنه إذا صار إلى الكوفة صار عيسى إلى مدينة السلام فأقام بها قال موسى فلما طلب أهل خراسان عقد البيعة للمهدي قال لمتطببه ما تقول يا فرات فقد دعيت إلى تقديم محمد بن أمير المؤمنين على نفسي فقال له فتدفع بماذا أرى أن تسمع وتطيع اليوم وبعد اليوم فقال له وما بعد اليوم قال إذا دعاك محمد بن أمير المؤمنين إلى خلع نفسك وتسليم الخلافة إلى بعض ولده أن تسارع فليست عندك منعة ولا يمكنك مخالفة القوم في شيء يريدونه منك قال موسى فمات المتطبب في